الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

56

نفحات القرآن

أشارت هذه الآية التي جاءت في أواخر سورة القصص إلى قصة ( قارون ) ونقلت نصيحة علماء بني إسرائيل لكافة الناس ، الذين تمنوا امتلاك ثروة قارون عند استعراضه لثروته . فعندما شاهد أهل الورع من علماء بني إسرائيل تَعَلُّقَ الناس بالدنيا وحبهم الشديد لها وارتباطهم الوثيق بها خاطبوهم قائلين : ويلكم يا عبدة الدنيا ! لا تخدعكم الثروة وبهارج الدنيا ، فالجزاء الإلهي خير لكم في الدنيا والآخرة إن عملتم صالحاً وكنتم مؤمنين ، لكن لا ينالُ هذا الثواب الإلهي إلّاالصابرون الرافضون الظلم والاغراءات المادية . إنّ عبارة ( أوتوا العلم ) تدل بوضوح على وجود علاقة بين ( الورع والزهد ) من جهة والعلم والمعرفة ) من جهة أخرى ، وأنّ العارفين بزوال الدنيا وحقارة الثروات المادية في قبال الجزاء الإلهي وخلود الآخرة ، فانّهم لا ينخدعون بالماديات ولم يتمنوا ثروة قارون « 1 » . 21 - التطور المادي مرهون بالعلم « قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِى » . ( القصص 78 ) الكلام الذي ورد في الآية الكريمة قاله قارون الغني والمغرور والأناني عندما نصحه علماء قوم موسى ، أَن استثمر ثروتك في مجال منافع العباد ولا تنسَ نصيبك من الدنيا ، وأحسن لعباد اللَّه كما أحسنَ اللَّه إليك ولا تتخذ ثروتك وسيلة للفساد . لكنه أجاب قائلًا : إنّي جمعت هذه الثروة بفضل علمي ومعرفتي . والذي ينبغي ذكره هنا هو أنّ اللَّه لم ينفِ ادّعاءهُ هذا . بل يقول تعالى : « اوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً » . ( القصص / 78 )

--> ( 1 ) . يقول الإمام الصادق عليه السلام : « إنَّ ممّا خاطب اللَّه به موسى بن عمران قال : إنّ عبادي الصالحين زهدوا فيها بقدر علمهم بي » . ( بحار الأنوار ج 18 ، ص 339 ) .